في بعض البيوت، تمرّ امرأةٌ ثم تمضي، لكن أثرها يظل مقيمًا في الماء، وفي الخبز، وفي الدعاء، وفي ذاكرة المكان، حتى إذا غابت عن الدنيا بقي حضورها في الدار كأنها لم تغادرها أبدًا.



جمعة بنت مسفر الدُحيّة… سيرةُ امرأةٍ بقيت في الدار نورًا



جمعة بنت مسفر الدُحيّة… سيرةُ امرأةٍ بقيت في الدار نورًا


في ذاكرة الأطاولة، تبقى بعض الأسماء أكبر من أن تُذكر عابرًا، لأن أصحابها لم يكونوا جزءًا من حياةٍ مضت، بل كانوا معنى من معانيها الجميلة، وأثرًا ظل ممتدًا في البيوت والوجدان. ومن تلك الأسماء يبرز اسم جمعة بنت مسفر بن سعدان الدُحيّة الزهراني، أم أحمد؛ امرأةٌ حملت من صفاء الفطرة ما جعل حضورها باقياً في الذاكرة، كأنها ما زالت تمضي في ممرات الدار، وتملأ المكان سكينة، وتترك في كل زاوية أثرًا من هدوئها وطيبها.


ويُروى – كما نقل رجب بن حوقان عن والدته فاطمة بنت سعدان – أن عوضة بن أحمد حين أراد خطبة جمعة، استعان بفاطمة بنت سعدان لتقريب الأمر، لأن القبول في البداية لم يكن ميسورًا. وحين رأت إصراره، سألته: لماذا تصر على جمعة بنت مسفر؟


فأجاب بجملةٍ بقيت شاهدة على فراسته، وعلى ما أدركه مبكرًا في شخصية هذه المرأة:


“أريدها أنثى حين أكون في البيت، ورجلًا حين أسافر من البيت.”


وكانت هذه العبارة تختصر كثيرًا من المعنى؛ إذ لم تكن جمعة امرأةً تؤدي دورها في حدود المألوف فقط، بل كانت صاحبة حضورٍ قادر على حفظ البيت، وإدارة تفاصيله، والقيام بأعبائه بثباتٍ وهدوء إذا غاب الزوج، دون أن تفقد رقتها ودفء حضورها، فاجتمع فيها الحنان والقوة، والرقة والقدرة.


كانت تخرج كل صباح، والقِربة على كتفها، تمضي إلى البئر بخطى هادئة، تسحب الماء بيد، وترفع الأخرى بالدعاء، كأنها تجمع بين رزق الأرض ورجاء السماء. ثم تعود لتملأ الزير القائم عند باب الدار، ليظل الماء مبذولًا لكل مارٍّ، ولكل ظمآن، ولكل قادم إلى القرية.


وكان ذلك الزير جزءًا من صورة البيت، كما كانت هي جزءًا من نبضه اليومي؛ إذ لم يكن الماء وحده هو الذي يُقدَّم، بل كانت معه روح الكرم التي عُرفت بها، حتى صار حضورها مرتبطًا في الذاكرة بالعطاء الصامت الذي لا يحتاج إلى إعلان.


وفي بيتها، كانت ماهرة في إعداد الطعام، مشهورةً بتنوع الأطباق وجودتها ولذتها، تحرص أن يكون لما يُطبخ نصيبٌ معلوم للجيران قبل أهل البيت. فما إن يُنجز طعام حتى يخرج منه نصيب محفوظ إلى الجارات ونسوة القرية، وكأن المائدة عندها لا تكتمل إلا إذا عبر خيرها إلى الآخرين.


وكانت تعمل حساب الجيران في كل ما تصنع؛ فإذا طبخت أرسلت، وإذا أعدّت خبزًا أو طعامًا جعلت للجارات نصيبًا حاضرًا، ولهذا بقي ذكر طعامها حاضرًا في الذاكرة، لأن اللذة عندها لم تكن في حسن الطبخ وحده، بل في أن يمتد الخير إلى البيوت المجاورة.


ولهذا أحبها الجميع.

كانت محبوبة في القرية، قريبة من القلوب، يدخل حضورها البيوت كما يدخل الضوء من نافذةٍ مشرعة.

وفي علاقتها بجاراتها ونسوة القرية، كانت تنثر الحب، وتنشر الطمأنينة، وتمد يدها بالعطاء دون منٍّ ولا انتظار.


ويروي ابن أخيها الدكتور سعيد بن أحمد الدُحيّة عن عمته جمعة شهادةً تفيض صدقًا ووفاءً، وتنهض من ذاكرة الطفولة بكل ما فيها من دفءٍ وحنين، فيقول ما معناه:

          إن شهادته فيها ليست من باب المجاملة، بل من باب الحق الذي لا يجوز كتمانه، مستحضرًا قول الله تعالى: ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الناس شهداء الله في الأرض». ثم يمضي إلى ذاكرته الأولى، حيث كان طفلًا يقطع الطريق مشيًا على الأقدام من بيت جده مسفر الدُحيّة، وهو مقر إقامتهم الدائمة، إلى دار عوضة، تلك الدار التي كانت تشع نورًا بوجود عمته جمعة في داخلها.


كان يصل إلى البيت فيجد باب الحوش الخارجي، المصاريع، مشرعًا على اتساعه، في صورة تختصر كرم الضيافة، وتعلن أن هذا البيت بيتُ ترحابٍ وسعة صدر. وما إن يدلف إلى داخل الفناء حتى تستقبله عمته جمعة بكل حب، فيشعر في حضرتها بقمة الحنان، وغاية الكرم، وتمام الترحيب، ويغمره إلى جانب ذلك إحساس عميق بالطمأنينة والسلام، كأن المكان في ظلها كان يأخذه إلى حضنٍ آمن، ويمنحه سكينةً لا تُشترى ولا تُوصف. كانت تغمره بمودتها الدافئة، وتستقبله كما يُستقبل الأحبة، ثم تمضي لتقدم له وجبته المفضلة، تلك الوجبة التي لم يكن يطعمها إلا في بيتها.


ولم تكن تلك الوجبة طعامًا عاديًا في ذلك الزمن، بل كانت من الوجبات التي لا تُقدَّم إلا لعلية القوم، بحكم الظروف المعيشية التي كانت سائدة يومئذ. ولهذا ظلت تلك الوجبة، بما فيها من لذة وخصوصية، معلقة في ذاكرته، لا لكونها طعامًا محبوبًا فحسب، بل لأنها اقترنت في وجدانه بكرم عمته جمعة، وبفضلها عليه، ذلك الفضل الذي ما يزال حاضرًا في مخيلته لا يغيب. وكانت تلك الوجبة هي البيض الأصفر الريفي مع الخبز البلدي، تعدّه له بيدها الطاهرة، فيغدو في ذاكرته طبقًا ملوكيّ الحضور، مترفًا في بساطته، شهيًّا في ريفيّته، كأنما اجتمع فيه صفاء الريف، وبركة البيت، ولمسة اليد الحانية، حتى صار طعامًا من طعم الحنان، لا من طعم المائدة وحدها.


ويظل هذا المشهد عنده من أوضح الشواهد على شخصيتها؛ امرأةٌ فتحت باب بيتها كما فتحت باب قلبها، وجعلت من الضيافة خلقًا، ومن الإطعام رسالة، ومن الحنان أثرًا لا تمحوه السنون. ومن هنا يرى أن من أبسط حقوقها عليه أن يشهد لها بما عرفه من فضلها، وأن يعترف بما تنعّم به من كرمها، سائلًا الله أن يرحمها رحمة واسعة، وأن يطعمها من طعام أهل الجنة، وأن يجعلها من ساكنيها الدائمين برحمته وكرمه، فهو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.


ومن خيرها أنها لم تكن تبخل بشيء؛ تعطي من الطعام، ومن الكلمة، ومن الوقت، ومن الحضور، حتى غدت عند كثير من النساء صورةً للمرأة التي يجتمع فيها اللطف والحزم، والبذل والحياء.


وكانت أمًّا حنونة تفيض بالمحبة، رزقها الله بابنتين: فاطمة ورحمة، وابنين: أحمد وسعيد، فملأت البيت عنايةً ودفئًا، وكان في قلبها متسع لكل واحد منهم، تمنحهم من حنانها ما يجعل البيت أكثر حياة.


ثم جاءها المخاض وهي حبلى بتوأمين، فكان ذلك المشهد خاتمة عمرٍ لم يطل في السنوات، لكنه اتسع في الأثر، وترك في الذاكرة جرحًا لا يغيب. رحلت، ومعها التوأمان، وبقي ذكرها حاضرًا في كل زاوية من الدار، وفي كل حكاية تُروى عنها، وفي كل دعاء يصعد لها من قلب ابنٍ ظل يرى فيها أول معنى للأمان.


وكانت، كما في الحديث الشريف، من الشهداء؛ شهيدة ولادة، ختمت حياتها وهي تمنح الحياة.


رحلت أم أحمد، لكن أثرها بقي؛ في الزير، وفي الدعاء، وفي المائدة، وفي دفء البيت، وفي سيرةٍ ما زالت تُروى بمحبة كلما ذُكر الوفاء. بقيت في ذاكرة أهلها، وبقي شيءٌ من روحها يسري في أرجاء دار عوضة، كأن خطاها لم تغادر المكان، وكأن دعاءها ما يزال معلقًا على الأبواب، وظل عطاؤها ماثلًا في تفاصيل الدار.



نسأل الله أن يتغمّد جمعة بنت مسفر الدُحيّة (أم أحمد) بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدّمته من خيرٍ وعطاءٍ وبرٍّ وإحسان في ميزان حسناتها، وأن يتقبّلها في الصدّيقين والشهداء والصالحين، وأن يجمعها بمن تحب في جنات النعيم، في مقامٍ لا خوف فيه ولا فراق.

اللهم اجعل ذكراها نورًا، وسيرتها بركة، ودار عوضة شاهدًا لها لا عليها، عامرًا بذكرها، ناطقًا بوفائها، وارزق أبناءها وأهلها جميل الصبر، وطيب الأثر، ودوام الدعاء لها بالرحمة والرضوان.

اللهم اسقها من حوض نبيك محمد صلى الله عليه وسلم شربةً هنيئةً لا تظمأ بعدها أبدًا، جزاءَ ما سقت من قاع البئر، وما حملت على كتفها من الماء، وما ملأت به الزير، وما ارتوى منه السائرون والعابرون والظامئون.